top of page
  • Writer's pictureBahaa Awaad

رواية : طوكيو .. طوكيو - مهداة الى عشاق لعبة سنووكر .





طوكيو ... طوكيو ( المنفى )


( 1 )



لم يهتم احد بنشأته و لا من اين اتى ، بدا كهامشي يسبح في هامش لا حدود له ، لقد اعلن عن هويته كثيرا ، الا ان احداً لم يعر اعلانه اهتماما ، لقد ارادوا له كالعادة ان يكون كما يريدون هم ، و لقد جاراهم في هذا أخيراً .. لكن ما كان يشغله حقا كان البحر .. البحر .. لقد اتى منه و اليه يعود .. كيف لم يدركوا هذه الحقيقة .. لم يفطن اليها الاذكياء منهم حتى كاد أن ينساها هو نفسه ، لقد اتى من البحر .. و اليه يعود .


( 2 )


و كانت ايام عصفت فيها بالنساء النشوة ، و استبدت بهم الشهوة ، و واقع الأمر أن ذلك كان قد بدأ مبكرا جدا ، منذ ان بدئن يصغين الى ما يهدر في دمائه الشابة .. ثم مضى ينمو دون أن يفطن اليه احد من رجال طوكيو الخشنين أو المخنثين .. حتى وقعت الواقعة .. ان القارئ الفطن ادرك و لا شك ان ما سبق يحتوي على مبالغات شتى ، لكن ذلك لن يستمر .. أعده ان ذلك لن يستمر .


( 3 )


يوما ما سياتي نص كامل ، دون الحاجة الى أرقام و علامات ترقيم .. فقط عند الأنتهاء من سرد المهزلة ، و وصولها الى نهايتها المنطقية أو العبثية .. و فقط اذا سمح الوقت بذلك .


( 4 )


إن الذاكرة هي أكثر ما يمكن أن يتآمر على الأنسان ، ذلك أن ما تحتويه ليس بالضرورة دافع لتطوره و نضجه ، بل انها و على العكس تماما من ذلك ، غالبا ما تحتوي على اكثر ما يمكن ان يكون مضادا له ، يستوي في ذلك من يتمتع بالذكاء ومن يفتقده ، إلا أن المتفائلين بالذات – و هذا هو العجيب حقاً – هم أكثر الذين يمكن للذاكرة أن تكون قاهرة لهم .


( 5 )


ليست الشجاعة بالتاكيد هي ما ينقصه ، كثيراً ما اثبت انه يتمتع بحظٍ وافرٍ منها ، إن شئً آخر هو ما يعوزه ليكتب نص اعترافٍ حقيقي .. و بدون هذا الشئ المجهول تماماً .. لن تكون للكتابة معنى ، بغض النظر عن ذلك الشخص الهمجي الذي يسمونه الفن .


( 6 )


إنه أفضل أوقات السنة طقساً في طوكيو .. و ذلك بعينه هو ما يخشاه ، إذ تحاصره الذاكرة بسيلٍ لا ينقطع ، و الولد اختفى و توارى .. كانما عاد من حيث اتى !! إلى البحر ؟؟ سيعود بالتاكيد و سوف تكون الظروف مواتيةً من جديد .. لكن الإنتظار لم يكن صعباً كما هو في هذه المرة ، خاصةً في هذا الوقت من السنة ، أشياءٌ كثيرةٌ تبعث على الخوف ، لكن المرعب حقاً .. أنه لم يعد ثمة من مجالٍ للحديث عن الاشواق .


( 7 )


ممتعةٌ تلك المدن المطلة على البحر ، الفتى على المقعد الحجري يتأمل المحيط المترامي ، يقترب العجوز .. يجلس الى جواره ..

العجوز : صباح الخير .

( يومئ الفتى برأسه محيياً )

العجوز : انه صباحٌ جميلٌ بالفعل ، من المؤسف ان الصحف لم تتحدث عن روعة الطقس .

( الفتى يتجاهله )

العجوز : انه ايضاً صباح القرارات الصعبة .. تبدو مثقل الذهن بقرارٍ كبير .

الفتى : كلا .. نفدت سجائري ، و انا في حاجة ماسةٍ لسيجارة .

العجوز : اسمح لي أن أقول لك أنه من المؤسف حقاً ان يلوث الناس أنفاسهم بالدخان و بمحض ارادتهم بينما بإمكانهم أن يستمتعوا بهذا النسيم الرائع .

الفتى : أشياءٌ كثيرةٌ مؤسفةٌ في هذا العالم .

( تمنى لو انه كان جالساً على رصيف محطة المترو .. و أن القطار على وشك القدوم )


( 8 )


ليس ممكناً أن تنجح روايةٌ بهذا الشكل ، إن القارئ مهما تمتع بالصبر لابد له في النهاية من الامساك بخيطٍ ما ، ذلك ان قارئ الرواية المعاصرة .. مهما ادعى قبول الأشكال الأدبية الحديثة ، يحن في النهاية الى أساليب السرد التقليدي ، تلك الأساليب التي تضعه مباشرةً في قلب المأساه .. و يستوي في ذلك قارئ الرواية اليابانية مع غيره من القراء .


( 9 )


يتذكر جيداً أول يومٍ له في طوكيو ، كيف كانت كل تلك السعادة محيطةً به دون ان يشعر ؟! هل كان سعيداً حقاً ؟ أم أنها الذاكرة تواصل ألعابها العابثة ؟! كلا .. لقد كانت شئً أقوى كثيراً من الاعيب الذاكرة ، لقد كانت .. سعادةًحقيقية .

من المؤسف انها كانت سعادةً حقيقية !!


( 10 )


القبو .. القبو .. انه أكثر الأماكن في طوكيو استحقاقاً للكتابة ، يتذكر تلك الليالي التي أمضوها في سمرٍ و محبة ، و من المدهش انهم جميعا ما كانوا ليخفوا تبرمهم بالمكان . " يوماً ما سوف يكون لنا مسكنٌ فوق سطح الأرض " . لم يكن يندر ان ينطلق لسانٌ ما بجملةٍ كتلك ليعبر عن ضيقه و كربه .. و إن خرجت غالباً مغلفةً بالمرح ، شأن أغلب أحاديث القبو ، لقد كان المرح بالفعل هو سيد الزمن هناك ، الآن يتراجع كل ذلك الى الماضي .. يأخذ مكانه الطبيعي ، في سجلات العدم .


( 11 )


كثيراً ما اعتقد انه ثمة سعادات مدخرة ، تدخرها لنا الحياة لتعلننا بها – في الوقت المناسب - اننا مازلنا نحيا ،الآن لا يسعه الا ان يؤمن بسخف هذا الاعتقاد ، ان جوهر السعادة الحقيقي اننا نبددها مجاناً ، فقط لكي يكون للذاكرة .. ذلك الوقود اليومي من الألم .


( 12 )


و يوماً عبرت أمامه على الجهة الأخرى من الشارع ، لم يكن قد رآها من قبل ، كان واقفاً في عمله في تلك المنطقة الهادئة من طوكيو ، كانت ترتدي بنطلوناً قصيراً ، و قميصاً ضيقاً ذا حمالات ، و حذاءً منزلياً ، جسدٌ فارعٌ و متناسق ، و شعرٌ ذهبيٌ يلمع تحت الشمس ببريق مذهل ، انه يكاد يعرف كل سكان المنطقة .. كلا .. انه وجه جديد .. جسدٌ جديد ، ومنى النفس بآمالٍ عذبة .


( 13 )


ومن المدهش انه كان متفائلاً لسبب ما ، و لم تمر ساعة حتى وجدها واقفة امامه ، كان منحنياً يلتقط شئً ما و نبهه صوتٌ نسائيٌ يرتفع بتحية الصباح برقةٍ و عذوبة ، رفع رأسه فوجدها امامه تبتسم ببراءة .. ندت عنه شهقةٌ لم يعن بإخفائها فلم تتمالك ان ابتسمت ، بادلها الإبتسامة و هو يرد تحيتها .. لا يتذكر ماذا قال و ماذا قالت الا انه كان بادي المرح ، لبى طلبها و هو يتفحصها بجرءة ، و بلطفٍ في الوقت ذاته ، انها معتادةٌعلى الاعجاب ، معتادةٌ على التودد .. لكنه وقع في نفسها موقعاً حسناً ، يعرف المراة عندما تكون معجبةً به ، و هي ذاهبةٌ قالت له بمرح : الى اللقاء .. اجابها قائلاً : نعم افعلي ارجوكِ .. ليكن لقاءٌ آخر ..

مضت بسرعةٍ و هي تحرك جسدها ، تبتسم .. تكاد تضحك ، ومرةً أخرى منى النفس بآمالٍ عذبه .



( 14 )


كاد ينسى الأمر تماماً ، قص الحادث على صاحب العمل ، انه رئيسه .. لكن بينهما ما يشبه الصداقة . لم يجد في الأمر ما يستحق التعليق ، الى أن كان يومٌ لم يكن بعيداً تماماً عن اللقاء الأول ، كان يقف في عمله في الموقع المخصص للرجل الثاني .. إذ كان صاحب العمل موجوداً هذه المرة ، و كان هوّ في هذه المرة أيضاً منحنياً يلتقط شئً ما .. ناداه فرفع رأسه .. رباه .. إنها هي .. و هي ترنو اليه ، لقد جائت تريده .. وجهها مازال برئً و جميلاً ، لكن فيه هذه المرة انكسارٌ ما ، او المٌ ما .. انها في مشكلة او ازمة ، و لقد أتت اليه هو .. انها في حاجةٍ اليه هو ، لم يلتقيا الا مرةً واحدة .. شئ لا يصدق !! و أنقذه صاحب العمل من ذهوله ..

- اذهب معها الى الخارج يا صاح .. لكن لا تتأخر ..

و ابتسم له ابتسامةً ذات مغزى .. خرجا سوياً .. جلسا على الدكة الخشبية ..

هي : هل تعرف ان أخي قد ضربني ؟

هو : كلا .. متى حدث ذلك ؟

هي : منذ يومين .. لقد اتيت اليك رأساً .. لكن يبدو انه كان يوم عطلتك ..

هو : اني آسفٌ حقاً .. لكن كيف أمكن له أن يفعل ذلك ؟ هل يتعاطى المخدرات ؟

هي : لا .. انه فتىً طيب .. و لعلك تعرفه ..

ظهرت على وجهه علامات الدهشة .. استدركت قائلةً : اعني انه ربما كان من زبائنك ..

خطر له أن يسأل عن سبب الضرب ، الا انه احس ان الفطنة تدعوه الى تغيير مجرى الحديث نهائيا ..

هو : كم عمرك ؟

هي : ستة عشر عاماً ..

و لاح طيف ابتسامةٍ في الوجه الجميل .. رباه .. انها طفلة !! طفلة ذات جسدٍ خارق و وجه ملائكي .. طفلةٌ تشاكس الر جال في ساعات عملهم .. سهمٌ ناري ساذجٌ و ماجن .. ليتك اتيت قبل عشرة أعوام .. ليتنا التقينا في مدينةٍ أخرى أو حيٍ آخر ، إذن لتعلمت منك يا صغيرتي أشياءً كثيرة ..

تذكر عمله و رئيسه المنتظر ، قال : إنني أنهي عملي في السادسة ، ليتنا نتناول القهوة في مكانٍ ما .. أومأت موافقةً ، نهضت .. تصافحا .. ضغط على يدها .. لقد تواعدا ، نعم .. نعم .. و عاد الى عمله رجلاً جديداً على نحوٍ ما .


( 15 )


و من الغريب انه كثيراً ما يشعر بنقمةٍ عليها .. على طوكيو ذاتها !!

اننا نستوطن المدن تماماً كما نعاشر النساء .. فقط لتترك كل واحدةٍ ألمها الخاص و نقمتها الخاصة .. و ليس بمستبعدٍ أن يجد نفسه يوماً ساعياً نحو إمرأةٍ أخرى أو مدينةٍ أخرى .. و كأن الذاكرة هي المعول الوحيد الذي نستطيع به أن نهدم وجودنا .


( 16 )


مرةً أخرى الى القبو ، يومياً الى القبو ، أدار المفتاح في الباب ، دخل الى البهو المزدحم .. المزدحم دائماً .. شخصان يقيمان في هذا البهو ، بينما ينفرد هو بغرفة .. و ينفرد ساكنٌ آخرٌ بالغرفة الثانية ، ألقى على عجلٍ تحية المساء .. ارتفع صوتٌ يترنح ضحكاً :

- أدركنا يا صاح نحن في انتظارك ..

ابتسم على الرغم منه ..

- سوف أبدل ثيابي و اكون رهن اشارتك ..

الزملاء الثلاثة بالدار ، و امامهم الشراب .. ذلك لا يحدث يومياً ، و طالما منى النفس به و هو يدير مفتاح الباب ، و لكن ليس الليلة ، و قد أخلفت الصغيرة موعدها .. لم يشرب في عودته كالعادة .. وما كان له ان يفعل ، لقد تركت في نفسه حسرةً كبرى .. دخل الى غرفته ، أصوات المجون في البهو تقتحمه .. تناديه ، ما احوجه الليلة الى النوم .. لكن لا بأس .. أعد عدة الإستحمام و غادر غرفته ..

- كما قلت .. انه الليلة في تمام وعيه .. أكاد أقسم انه لم يشرب ..

- ماذا حدث ؟ لابد انها نهاية العالم !!

تناطحت الأصوات المخمورة .. لا بأس أيها الأوغاد .. دقائق و اكون مهيأً لكم ..


( 17 )


انساب الماء على جسده ، ما لجسدٍ ان يهمل في هذه المدينة ، ما أحوجه الليلة الى ان يهاتف احدى صديقاته ، و ربما كان من الافضل ان يسعى الى دارٍ من دور المتعة ، أما المفيد حقاً فهو الإستسلام للنوم ، و لكن كيف ؟ و الأوغاد بالخارج يقصفون .. دقائق و اكون مهيأً لكم ..


( 18 )


و لا يندر ان يحن الى داره .. الذي غادره يوماً ربما الى غير رجعة .. ان المأساة هي اننا نتعجل النهايات .. فقط لو نترك للمقادير ان تقول كلمتها .. فقط لو تمتعنا بالصبر ..


( 19 )


سوف اكتفي من الآن فصاعداً بالسرد التقليدي ، الذي يانس اليه القراء من كل الأقطار و الهويات ، الا ما سوف أجد نفسي مضطراً اليه .. بدافع الثرثرة البحتة ..


( 20 )


غادر الحمام الى البهو و الماء يتقاطر من شعره و وجهه ، بادر العصابة قائلاً :

- سوف أجري اتصالاً هاتفياً .. هل لأحدكم رغبة ؟

رفع سبابته محصياً الوجوه المخمورة ..

- هذا هو السبب اذن .. انه يعد العدة لمشاريعٍ أخطر ..

- اننا نساكن شيطاناً صغيراً .. كلا يا فتى ليس لأحدٍ من رغبة ..

دخل الى غرفته مسرعاً ، انها الإجابة التي تمناها .. فقط ليخلو الى غرفته و ينفرد بكنزه .. رفع سماعة الهاتف ، ادار رقم جهاز النداء المتحرك الذي بات يحفظه جيداً ، قام بإدخال رقم هاتفه .. مضيفاً رقمه الكودي الخاص ، وضع السماعة و جلس الى جوارها ينتظر الرنين .. استرق السمع الى البهو ، انخفضت الأصوات .. لكنه يميز جدلاً و محاورات و أرقاماً و حسابات .. و سرعان ما اتى الرنين ، و قبل ان يرفع السماعة دخل احدهم الى الغرفة مسرعاً ..

- لا بأس .. احضر لنا جميعاً .. ورقتين لكلٍ منا ..

رفع السماعة .. أتاه صوت الرجل واضحاً و قاطعاً .. لا تحية و لا مقدمات ..

- سأكون عندك خلال عشر دقائق .. كم ورقةً تريد ؟


( 21 )


انساب التراب الابيض الامع على الاطباق ، سكنت ضوضاء الخمر .. و تدفق في الدماء الشابة سحرٌ لآخر ، و انهالت الذكريات مشبعةً بالنشوة .. ما الذي اتى بهؤلاء الفتية الى هذه المدينة ؟؟ عن ماذا جاءوا يبحثون في شوارعها و اقبيتها ؟؟ حتماً ما جاءوا ينشدون النسيان ، فالنشوة لا تستدعي لديهم غير الذكرى ، و أكثر من صوت نادمه باسماً :

- ما الخطب يا صاح .. ما عهدناك صامتاً ..

لقد عهدتم رجلاً آخر لم تسكره صبية عاتية .. و هل يعقل ان يكون الامر كذلك ؟؟ و هل ينقاد بكامل ارادته الى فخٍ جديد ؟؟ كلا .. غداً ستشرق الشمس و سيستقبل نهار عملٍ طويل ، سينهيه ليهيم في الطرقات بخطىً متوثبة ، يشرب البيرة في الرصيف الورقي على رصيف محطة المترو ، يستطلع الوجوه المختلفة ، و يمتلك من جديد .. المدينة التي احب .

انسابت في دماءه المتعة .. استنشق بنهم ربوةً ً من التراب اللامع .. هدرت موجةٌ جديدة من النشوة .. و أقبل عليهم يحادثهم بقلبٍ آخر .



( 22 )


طوكيو .. طوكيو .. المدينة تستقبل نهاراً آخر ، مازالت في دماءه بقايا النشوة ، و هو يمضي في الشوارع المكتظة مطرقاً ، لم تعد تلك الشوارع غريبة عليه ، لا و لم يعد هو بالغريب عليها ، تبادل ابتسامات الصباح مع اكثر من وجه و هو يقف على رصيف محطة المترو ، ليس في نفسه رغبة في العمل .. و لكن هيهات ، التوقف عن العمل يعني ان يجد نفسه مشرداً في الشوارع .. الشوارع المحبوبة !! ابتسم .. كاد ان يعود الى القبو لولا ان اقبل قطاره ، يحمل الوجوه الصباحية العابسة .


( 23 )


و سرعان مايجد نفسه مندمجاً في العمل بثقةٍ و مرح ، عندما نخلو الى انفسنا نجد اشياءً كثيرةً لنقولها ليست دوما داعية للبهجة ، اما بين هذه الجيرة .. هؤلاء الذين اعتادوا تناول افطارهم لديه ، فلا يوجد ما يستحق القول ، الا الاحاديث الصباحية المرحة ، التي تتقلب في الفراغ مشبعةً بالبهجة ، فكر انه يحب بالفعل هذه الضاحية الهادئة من طوكيو ، يحبها كما لم يحب من قبل مكاناً .. و كما لا يمكن ان يحب من بعد مكاناً ، اما الطفلة الرهيبة .. فمن الافضل ان يتركها تمضي ، ان تأخذ حجمها الطبيعي في اروقة النفس ، و هل حدث ما يستحق اكثر من ذلك ؟؟

و لكن مهلاً .. ان الكتابة على هذا النحو اشبه ما تكون بتسلقٍ مضنٍ لشواهق الذاكرة .. احقاً تراجع كل ذلك الى الماضي ؟ و اذا كان الامر كذلك .. فأين تكمن اللحظة التي يمكن ان يصبح فيها .. نسياً منسيا .


( 24 )


لا بأس الآن من ان نروي بعض القصص المسلية دفعاً للملل عن القارئ الكريم ، على ان نعود لاحقاً لسرد احداث قصتنا الرئيسة ، و لكن ينبغي قبل ذلك التنويه بموقفٍ حدث في ذلك النهار ذاته ، الذي تحدثت عنه في المقطعين السابقين .. كان امامه صفٌ طويلٌ من الزبائن ، و حدث ان جاء دور فتىً في نحو العشرين .. طلب منه علبة من السجائر ، لم يكن يومها يراه للمرة الاولى ، لكن شئً ما في وجهه دعاه الى ان يمعن النظر اليه .. و لقد فعل .. و سرعان ما سرت في دماءه رعدةٌ مفاجاة ، لقد باغتته الملامح المحبوبة على غرة منه ، بعد ان أعد العدة تماماً لمواجهتها متى اتت ، و لكنها اتته متخفيةً في جسدٍ آخر ، و لم يدر لماذا هزه حضورها على هذا النحو العاصف !! تذكر قصة الأخ و الضرب و هو يسلم للفتى العلبة .. و لم يستطع منع نفسه من ان يتبعه بنظره و هو يمضي !! لقد ادرك وقتها انه قد وقع في حب الفتاة بالفعل .. و انه لم يعد امامه من سبيلٍ الى التراجع .. و مر وقتٌ قبل ان يثوب الى رشده .

ليتذكر القارئ هذا الموقف جيداً ، فمنه سنعود الى سرد احداث قصتنا .. لكن ليس قبل ان نروي بعض القصص الفرعية المسلية .


( 25 )


لقد كان انتصاراً ساحقاً و حاسماً ، الآن و بعد مرور كل تلك المسافة من الزمن فإنه لا يملك نفسه من الزهو كلما تذكر احداث تلك الليلة ، لا سيما في شقها الأول ، كان قد اعد العدة فيما سبقها من ايام على ان يجعلها ليلة لا تنسى و قد كان !! ما ان دقت السادسة حتى غادر عمله الى الشارع ، ربما بعدها بدقيقة او اثنتان ، غدا عطلة نهاية الاسبوع .. و ليس ثمة متسع من الوقت ليضيعه ، اخذ طريقه راسا الى مطعم الدجاج الماليزي الرائع .. إلتهم نصف دجاجة محشوة بالأرز المتبل .. ثم غادر المطعم الى القبو مستقلاً سيارة اجرة ، لا وقت لإنتظار المترو و لا ينبغي ان يابه الليلة للنقود ، إقتحم القبو بإيقاعٍ متسارع .. حيا الرفيقين الذين تصادف وجودهما في البهو و مرق الى غرفته ، رفع سماعة الهاتف و أدار رقم جهاز الإستدعاء الآلي ، أدخل رقم هاتفه و رقمه الكودي ثم وضع السماعة منتظرا الرنين و معداً في الوقت ذاته لمتطلبات حمامه .. أنهى إستعداده الى الحمام و لما يأت الرنين بعد .. تذكر انه يحتفظ بزجاجتي بيرة في ثلاجة البهو ، غادر الغرفة الى البهو راكضاً .. إستل الزجاجتين و قفل عائداً و رفيقيه يتبعانه بصريهما ، و لم يكد يدخل الغرفة حتى جاء الرنين .. رفع السماعة ..

- عشرون دقيقة .. كم ورقةً تريد ؟

- ثلاثة ..

وضع السماعة و افرغ زجاجة في جوفه دفعةً واحدة ، حمل الأخرى مع متطلبات الحمام و هرول مقتحماً البهو ، ألقى نظرة علي ساعة الحائط .. وجدها تشير الى نحو السادسة و النصف ، يجب ان يكون في كامل استعداده قبل و صول الرجل ، ليفرغ ساعةً الى نشوته ثم ينطلق .. أسعده انه لم يجد رفيقيه في البهو ، لقد ذهبا الى بعض شؤنهما .. هذا افضل .. استمتع بمذاق البيرة المثلجة بينما ينساب على جسده الماء الدافئ ، شعر بحيوية تجتاحه .. أنهى استحمامه فيما يقارب العشر دقائق ، خرج من الحمام مرتدياً سرواله الداخلي ، واضعاً الفوطة على شعره المبتل ، و في الغرفة كانت الملابس معدةً منذ الأمس ، ارتدى ملابسه مستجمعاً لقواه ، وقف امام المرآة .. اللمسات الأخيرة .. الحذاء .. الحزام .. وضع الكريم على شعره نصف المبتل ، انهى تصفيفه بعناية و على مهل ، ثم ألقى نظرةً نهائيةً على نفسه ، بدا متألقاً و لامعاً .. نعم .. إنه الليلة في أفضل حالاته ، و جاء رنين جرس الباب الخارجي و هو يغمر نفسه بالعطر .


( 26 )


هبط درجات القبو و هو يتفحص الأكياس البلاستيكية الثلاثة الشفافة ، بدت الأحجار البيضاء الصغيرة براقةً و لامعة مما يشي بنفاستها ، ليس في حاجةٍ الى طبق .. دخل الى غرفته ، أحكم اغلاق الباب ، مسح الغبار من على المنضدة الصغيرة ، أفرغ محتويات الكيس الأول .. و بدأ يفتت الأحجار اللامعة على السطح الأملس .


( 27 )


لكي تستوطن مدينةً ما حقاً .. يجب ان تدرك انك لا تسبح .. و انما يحملك التيار عنوةً الى النهاية المعدة سلفاً ، ليس في الأمر تعزيةٌ للنفس و لكنها الحقيقة ، فهناك دائماً يدٌ مجهولةٌ تدير خيوط اللعبة و تدفعنا دفعاً بحيث لا يمكن ان تجدي مقاومة !! ذلك ان الانسان في مدينةٍ كبيرة .. انما يسعى اولاً الى امتلاك ذاته و الحفاظ عليها ، و ينتهي به الأمر حتماً – سواء كان واعياً بذلك أم لا – الى قبول الموقع الذي تحدده المدينة بقواها المجهولة له ، ان ذلك الموقع مهما بدا له انه ناتج عن اختياره الحر ، الا انه في الواقع مفروضٌ فرضاً من قبلها .. المدينة وحدها تعرف أن ما تختاره هي لذواتنا .. هو وحده القادر على حمايتنا بالفعل .. من الانصهار و الذوبان .


( 28 )


خرج الى الشارع متاخراً نحو ساعةٍ عما كان مقرراً ، إذ بينما كان يتأهب للخروج .. و قد حلقت نشوته الى آفاق بعيدة ، ارتفع فجاة صوت الجارة الهندية الشابة المقيمة في الطابق الأرضي اعلى القبو مباشرةً ، لقد بدأت مع زوجها رقصة التزاوج .. التي كانت تتم اسبوعياً مرتين أو ثلاثة في مثل ذلك الوقت من المساء عادةً .. كان مخدع الزوجين فوق غرفته مباشرةً مما كان يتيح له الأصغاء بوضوحٍ الى ما يحدث ، و قد كان ذلك مثيراً له الى على نحو ما .. خصوصاً مع تصاعد صوت اهتزازات السرير ، و اقتراب الرقصة من نهايتها !! إستغرقت العملية ما يقارب الساعة ، و بما انه لم يستطع منع نفسه من متابعتها إلى النهاية .. فقد حرمه ذلك من التواجد في ( الديك الفضي ) في تمام الثامنة كما سبق أن خطط ، كان التواجد في المرقص في ذلك الموعد يتيح له تناول المشروبات حتى الساعة التاسعة بنصف الثمن ..كما أن الحضور المبكر في بداية الليلة و مع الإفتتاح كان يتيح له إدراكاً اكبر للمناخ النفسي للسهرة و طبيعة العلاقات بين أطرافها مما يخدم خططه و أهدافه وصولاً الى الصيد المرتقب .


( 29 )


مضت الليلة رتيبة و عادية ، شرب كالعادة اي بكثرة .. راقص عشرات الفتيات و اذا بالساعة تقترب من الرابعة صباحا موعد الاغلاق ، لم يحظ باي صيد مما جعل المرارة تتسرب الى نفسه ، غادر المرقص قبل موعد الإغلاق بربع ساعة ، حيث كان عليه ان يمضي الى احد مراقص ( بعد الساعة ) التي يعرفها في الجوار ، و هي طراز غير قانوني من المراقص منتشر في طوكيو ، يبدأ العمل فيه عادة بعد الرابعة و يستمر الى الظهيرة .. و يتطلب من مرتاديه ان يكونوا معروفين لدى القائمين على العمل به و الذين يستطلعون القادم عبر عين سحرية ، كان باب المرقص كباب مرآب عادي للسيارات في منزل عائلي ، حيث يستحيل على العابر ان يدرك انه يفضي الى مرقص كهذا ، و ما ان إقترب من الباب حتى انفتح الى الاعلى قليلا فمر الى الداخل منحنيا ، استقبله الحارس بترحاب و مودة ، و سرعان ما قاده عبر بهو طويل الى القاعة الرئيسية ، جلس الى المشرب مباشرة حيث تبادل التحيات و النكات مع الساقي الكهل و زوجته اللذان يعملان سويا خلف الحاجز .. كان يحرص على ان يهب الأكراميات للجميع بسخاء كعادة لاحقته من موطنه ، نظر الى ساحة الرقص .. خالية تماما .. ينتشر حولها على الارائك حضور قليل ، لم يبدا المريدون في التوافد بعد من المراقص القانونية التي كانت توشك على الاغلاق .. كانت الجوقة تعزف لحنا هادئا مما ساعده على الاسترخاء ، و التحليق با افكاره عاليا ، ما زالت النشوة تهدر في دمائه و الشراب يذوب في فمه و ينساب الى اعماقه عاصفا و كاسحا ، نظر الى كفيه .. لقد اكسبتهما هذه المدينة خشونة غير عادية ، أسعدته هذه الفكرة على نحو ما ، حدق في وجهه في مرآة المشرب خلف الساقيين .. و ألقى بنفسه في بحار عميقة .


( 30 )


لم يدر على وجه الدقة كم مر من الوقت ، الا انه ثاب الى رشده أخيرا ليجد نفسه قد اتي على خمسة كؤوس من الروم كما تشير البطاقات المتراكمة امامه تحت منفضة السجائر ، كانت المنفضة بدورها قد استقبلت كما لا بأس به من السجائر ، التفت حوله مستطلعا ليجد المرقص قد غدا مزدحما ، و ساحة الرقص مملؤة عن آخرها .. كانت الجوقة تعزف لحنا صاخبا و مجنونا ، فلا عجب ان شعر بحيوية عاتية تجتاحه ، القى بنفسه في ساحة الرقص ، كان جسده يتحرك مع الموسيقى في تناغم نادر ، و سرعان ما تجاوبت معه الاجساد المثيرة ، راقص فتاة فأخرى .. و إذا به يجد نفسه يرقص منفردا في منتصف حلقة من الفتيان و الفتيات يصفقون بحماس ، اجتاحه الزهو .. واصل الرقص بحماسة و مجون ، كانت الفتيات يتركن الحلقة ليراقصنه واحدة تلو اخرى ، بينما تجاوبت معه الجوقة .. فهي تبطأ اللحن او تسرعه و جسده يتمايل معه في الحالين في انسجام كامل .. كان في أفضل حالاته .. كان نجم الحفل بلا منازع .


( 31 )


غادر الساحة بعد ان نال منه التعب أخيرا ، كان أيضا في حاجة الى المزيد من الشراب ، ارتفعت مع مغادرته صيحات الاحتجاج ، "الى اين يا معلم " "مرحى يا استاذ " ابتسم مجاملا .. سوف يعود سريعا ليقطف ثمار نجاحه ، فكر انه في حاجة الى بعض الغبار قبل الشراب ، توجه راسا الى الحمام ، وجده غاصا بالفتيان .. بعضهم في الاركان يدخنون الماريجوانا او يتحدثون .. و البعض الآخر شواذ يتبادلون القبلات الساخنة ، خلت احدى غرف الحمام فدخلها و قد تصاعدت انفعالاته ، كان الغبار في الورقة الصغيرة المطوية مسحوقا و لامعا و جاهزا للاستنشاق ، طوى الورقة المالية .. تدفق الغبار الى رئتيه .. بهدوء مصحوبا بنشوة ناعمة ، غادر الحمام الى المشرب مباشرة ، و ما ان اقترب من مكانه الخالي امام الحاجز حتى لاحظ ان المقعدين العاليين المجاورين لمقعده قد باتا تحتلهما فتاتان جميلتان انهمكتا في حديث باسم ، جلس الى مقعده و هو يطلب من الساقي كاسا جديدا مزدوجا ، التفت الى الفتاة الجارة فالتفتت بدورها .. مد يده مصافحا في حركة مباغته ...

هو : مرحبا .. اسمي بوب من منشوريا .

هي : مرحبا .. انا لورا و هذه صديقتي سالي .

صافح صديقتها و هو يزداد تفاؤلا ..

هو : اهلا سالي .. هل تستمتعان بوقتكما ؟

لورا : نعم .. انه مكان رائع .. نحن نأتيه للمرة الاولى .

هو : هل بينكما علاقة عاطفية ؟ ( انفجرتا ضاحكتين )

لورا : كلا اننا سويتان تماما .

هو : في هذه الحالة لا تعوزني الشجاعة لاقول انني معجب بكليكما .

ضحكت لورا بينما قالت سالي على عجل :

- أما هي فمعجبة بك وحدك .

حدقت فيها لورا معاتبة فواصلت :

- انت ترقص بشكل رائع و لولا ان لي صديقا لشاطرتها اعجابها ..

- و أين هو صديقك ؟ هل هو هنا ؟

- كلا لقد سافر الى يوكوهاما .. معذرة سأغادركما قليلا .. انني اعشق هذه الرقصة .

أتبعاها نظرهما و هي تندس الى ساحة الرقص لتتمايل مع اغنية " فقدت حياتي توا ".

بادل صاحبته النظرات ، لم يطمع قط في صيد كهذا !! إنها قد تكون اجمل الفتيات في المكان على وجه الاطلاق .

هو : هل صحيح ما قالته سالي ؟

( تجاهلت السؤال )

هي : قلت أنك من منشوريا ؟

هو : نعم .

هي : ماذا تفعل هنا في طوكيو ؟

هو : كما ترين !

هي : انت حقا تجيد الرقص !! لكنك في حاجة الى مهارات أوسع لتقيم في مدينة كهذه .

هو : املك بالفعل ما يكفي منها للإقامة في اي مدينة اريد .

هي : كم من الوقت مر عليك في طوكيو ؟

هو : ستة أشهر .

هي : ستة أشهر فقط .. و تعرف مكانا كهذا ؟!

هو : على الغريب ان يتجول .

هي : هل تعمل ؟

هو : في موطني كنت اعمل كاتبا .. اما هنا ، فأكتفي بكوني عامل في مطعم .

هي : سوف تجد كثيرا من الكتاب و العازفين و الممثلين في مطاعم طوكيو المختلفة ، اي نوع منهم تعتبر نفسك ؟

هو : انا النوع الأكثر تشريفا لأمتي اللعينة العظيمة !!

هي : ( ضاحكة ) أهي امة لعينة و عظيمة ؟!

هو : انها كذلك !!

غرقت في الضحك بينما كان يسحبها من يدها برفق الى ساحة الرقص .


(32 )


اندمجا في رقص مرح ، كان اللحن سريعا و ماجنا ، لم يمنع نفسه من ملامستها اكثر من مرة على نحو ملحوظ ، لم يكن في حاجة الى الكثير من قوة الملاحظة ليدرك ان صاحبته هدف للكثيرين في المكان ، لذلك اراد ان يؤكد انتمائها اليه بشكل قاطع ، لقد بديا بالفعل كثنائي متحاب و متجانس ، حتى انه ما ان عاد بهما المقام الى مجلسيهما حتى بادر بطبع قبلة سريعة ساخنة على شفتيها ، و لما راى تجاوبها الكامل اتبعها باخرى طويلة و عميقة ، جلسا يتحادثان و يدخنان و امامهما كؤوس الشراب ن حتى تاكد تماما انه سحق اي منافسة محتملة ، الى ان جائت سالي و معها فتاة اخرى ، و سرعان ما اشتبك الثلاثة في حديث جانبي طويل لم يسمعه لتصاعد صوت الموسيقى ، الا انه لاحظ ان حلقة البنات الثلاثة تتعرض لغزوات متقطعة من عدد من الفتيان واحدا بعد آخر ، مما ضاعف من شعوره بالعزلة و الضيق ، لا سيما و قد كان واضحا انها غزوات تستهدف فتاته بالدرجة الاولى ، و قد كان اخطرها – في نظره – لسبب لا يدريه تلك التي قام بها شاب وسيم يجلس الى كرسي متحرك ، كان واضحا ان لورا لا تراه للمرة الاولي ، و قد جلست القرفصاء امامه طويلا لتتمكن من محادثته ، في هذه الاثناء كانت الفتاة الثالثة قد اختفت ، و بات المقعد الذي يفصله عن سالي شاغرا ، و قد اخذت تنظر اليه و تبتسم بمودة ، بادلها الابتسام قائلا :

- يبدو انه بأمكاني ان اعترف انني قد وقعت في الحب بشكل او بآخر .

ضحكت و قالت :

- انت ايضا تعجبها كثيرا .

و ما يدري الا و يده تمتد الى يدها لتمسكها بضغطة رقيقة قائلا :

- حقا ؟

خلصت يدها برفق و قد بدا عليها الحرج ، فواصل قائلا :

- ان ذلك يسعدني كثيرا ، انها تتمتع بقلب مسيحي .

- انها كذلك .

لم يدر ما الذي دعاه الى ان يقول ذلك ، لكنه اراد عموما ان يغطي تصرفه الاخرق. ذهب المعوق ، فأتته لورا الى مجلسها و هي تشكو من آلام في ساقيها نتيجة جلسة القرفصاء الطويلة ، عادا الى الحديث .. فأنبأته ان الفتاة الثالثة ليست سوى شاذةٍ تدعوها الى استكمال النهار في منزلها با إلحاح ..

هو : عجيبٌ حقاً .. هل قلت لها أنك سوية ؟؟

هي : لقد حدث .. الا أن للكثيرات منهن صبراً لا يلين !

هو : من جهتي فاأنا أحمل لك دعوة مماثلة !

هي : ( هازةً رأسها ) لم لا ؟؟

تملكه الطرب .. تسرع قائلا :

- لم لا نذهب فوراً ؟

- كلا ما يزال الوقت مبكراً !

ندم على تسرعه .. امتلأت الكؤوس بالشراب و اندمجا في الحديث من جديد .. مر وقت طويلٌ قبل ان يفاجأ بالشاذه تقتحم المجلس قائلةً له :

-مرحباً بالسيد منشوريا !!

رد فورا :

- مرحبا بسيدة اليابان الأولى !!

انفجرت لورا و سالي ضاحكتين ، لم يفته تعريضها الساخر، شكر بديهته الحاضرة ‘شعر بالفتاة تتميز غيظا ، الا انها اندمجت مع لورا مجددا في حديث هامس، مما مثل له بادرة سيئة .. و اذا بفتىً الى جواره يحادثه بغلظة و هو يبتسم ابتسامةً شريرة ..

- مرحا يا صاح.. انكما تبدوان متفقين !!

أومأ برأسه موافقا في خشونة .. لاعناً في سريرته ما قد يلقي به عاثر الحظ في طريقه من عوائق .. كلا .. انه يريد هذه الليلة فراشا جديدا ، بل يريد هذه الفتاة بالذات ، و سوف يحدث !!

طال الحديث بالفتاتين أكثر من ما ينبغي ، و أزعجه ان يلاحظ أنه ثمة ضحكات متبادلةً بينهما تشي بتجاوب صاحبته !! من يدري ؟؟ ربما تكون مزدوجة الميول !! قرر القيام بمغامرةً خطرة .. مد يده الى معطفه و أخذ يرتديه و هو يهم بالوقوف .. لم يلاحظ خطوته غير سالي التي سارعت تهمس في أذن لورا مقاطعةً حديثها مع الفتاة ، نظرت اليه لورا ثم همست بدورها في أذن الأخرى بعدة كلمات .. أقبلت عليه سالي متسائلةً :

- الى أين يا بوب ؟

- حان وقت الرحيل !

اقتربت منه قائلةً بصوتٍ هامس :

- ابقَ .. انها ترجوك ان تبقى .

هز كتفيه متظاهرا بالملل ، عاد الى الجلوس .. و عادت معنوياته الى التحليق ، و لم يمر طويلُ وقتٍ قبل أن تأتيه لورا قائلةً :

- انها تدعونا – سالي و انت و انا – الى منزلها !! أرى انها قد تكون فكرةً جيدة !!

هم باالأعتراض .. الا انه امعن النظر الى الفكرة !! هو – وحيدا – محاطا بفتياتٍ ثلاث ‘ انها قد تكون بالفعل فكرةً جيدة .

هو : هل أنت واثقة ؟؟

هي : نعم .. الفتاة تعمل في شركةٍ سياحية ، و قد تحصل لنا على عروضٍ لرحلاتٍ مخفضةٍ للغاية و ليس من الحكمة رفض دعوتها .

هز رأسه موافقا .. كان المكان قد بدأ يخلي من زواره بالفعل .. واحدا اثر الآخر .. عبر الباب نصف المفتوح .. و قد وقف أحد الحراس يستطلع الطريق ، خرجوا الى الشارع بعيونٍ نصف مغمضة .. من وهج النهار المفاجئ .


( 33 )


كانت ورقة المسحوق الأبيض اللامع في جيبه تشعره بنوعٍ خاصٍ من الدفء ، و مهما تكن الظروف فإن وجودها هو ما كان يكفل له الطمأنينة على الدوام ، ان المشكلة الحقيقية في الصداقات با انواعها هي انها يندر أن تخلو تماما من طيفٍ من الريبة ، أما المسحوق الأبيض فقد نجح الى حدٍ بعيد ، في دفعه الى الأطمئنان اليه !! و منحه الثقة الكاملة .


( 34 )


كان للورا سيارةٌ صغيرةٌ و جميلة ، احتل المقعد المجاور لها ، بينما جلست سالي و الأخرى في الخلف . و ما ان تحركت بهم العربة حتى بادرته الفتاة قائلةً :

- انك سوف تاتي الى منزلي و انا لا اعرف حتى اسمك !!

- اسمي بوب .

- و انا نادين .. عل تعلم اني يهودية ؟؟

- كلا لم اكن أعلم ذلك .. و لكني عموما لا احب اليهود .

سيطر الصمت بعد رده الخشن ، لقد تعمد ان يكون فظاً لأن الفتاة كانت تظهر له فظاظةً مماثلة ، توقفت لورا امام أحد مواقع الصرف الآلي و قالت أنها ستأتي ببعض النقود .. تبعها الى الآلة و قال و هي تجري عملية السحب :

- من الأفضل أن أنسحب .. انها لا تكن لي المودة .. لنتبادل أرقام هواتفنا و نلتقي فيما بعد .

- أرجوك يا بوب أن تبقى .. كل ما عليك أن تفعله هو أن تتجاهلها تماما .

ظهرت على وجهه علامات التردد .. فتابعت قائلةً و على وجهها ابتسامةٌ ساحرة :

- أنت في صحبتي أنا !! الا يرضيك هذا ؟؟

هز رأسه موافقا ، و عادا الى السيارة . كانت نادين تقيم في ضاحيةٍ بعيدةٍ نسبيا اذ استغرقت الرحلة ما يزيد على نصف الساعة .. و عندما وصلوا أخيرا كان عليهم ان يدخلوا الى أحد المتاجر لشراء البيرة .. اشترى لنفسه خمس زجاجات من البيرة السوداء القوية ، و اشترت الأخريات زجاجاتٍ من انواعٍ مختلفة ، قادتهم نادين الى مسكنها ، و ضايقه أن يجد انه ليس سوى قبو كمسكنه .. و أن يكن أكثر جمالا و رقياً .. استقر بهم المقام حول منضدةٍ منخفضة الأرتفاع ، و فضت زجاجات البيرة ، و سرعان ما تصاعدت دهشته و هو يرى نادين تمسح المنضدة من الغبار العالق .. ثم تطرح عليها كماً لا بأس به الأحجار البيضاء اللامعة ، هذا اذن ما اتى بالحسناء الى هنا !! و ليس الرحلات المخفضة !! يا حمقاء !! لماذا لم تخبريني ؟؟ ان الحصول عليها بالنسبة لي أسهل من الحصول على الخبز !! كانت نادين تجري اتصالا هاتفيا و قد امسكت سماعة الهاتف بيد .. و با الأخرى اخذت تفتت الأحجار اللامعة ، و عندما انهت اتصالها كانت الأحجار قد تحولت الى مسحوقٍ ناعم ، أعدت نادين من الكمية كلها اربعة خطوطٍ مترعة ، قامت الفتيات با استنشاق ثلاثةٍ منها على التوالي ، نظر الى الخط الوحيد المتبقي بينما ابتسمت له سالي قائلةً :

- انه دورك !! الا تريد ان تجرب ؟؟

طوى ورقةً مالية و استنشق الخط المتبقي كاملا على دفعةٍ واحدة ، نظرت الفتيات اليه في دهشة ، و سألت لورا :

- هل فعلت ذلك من قبل ؟

رد با اخراج ما تبقى في جيبه من المسحوق و طرحه على المنضدة آخذا في اعداد اربعة خطوطٍ أخرى .. ضحكن كثيرا .. و قالت لورا :

- أذكر انك قلت انه مر عليك في طوكيو أشهر ستة !! يبدو انك لم تضعها عبثاً !!

يا للغرابة !! لقد انتابه زهو !! انتابه زهوٌ حقاً >

( 35 )


عندما انتهوا من استنشاق الخطوط الأربعة الجديدة هاجمه على حين غرة عدوه القديم ، شعر بنفسه يغيب عن المكان و با الكآبة تجتاحه على نحوٍ لا قبل له به ، و يبدو ان لورا كانت تشاطره ما يشعر بصورةٍ او با أخرى .. اذ القت براسها على كتفه و غابت بعيدا .. وان كان واضحا انها لا تشعر بالسعادة .. احتضنها صامتاً بينما اشتبكت سالي و نادين في حوارٍ لم يعِ منه حرفاً ، و مر قليلُ وقتٍ قبل ان يقرع جرس المسكن فجاة ، نهضت نادين لتفتح الباب و سرعان ما عادت يتبعها شابين .. أحدهما في اوائل الحلقة الثالثة من العمر و الآخر في أواخرها ، قدمت الأول با أسم تومي و الثاني باأسم كوتشان .. و رغو انه لم يكن يتوقع صحبةً اضافية الا انه آنس في نفسه ارتياحاً لمقدم الشابين لما قد يؤدي اليه من كسرٍ للملل ، و تحول ارتياحه الى سعادةٍ عندما اخرج كوتشان كيسا شفافاً يحتوي كميةً من الحجار البيضاء لم تقع عينه على مثيلٍ لها .. دبت الحيوية في الجلسة ، و تتابعت الخطوط اللامعة على المنضدة الملساء ، و فضت زجاجات البيرة على التوالي ، كان كوتشان يحتكر الحديث بشكلٍ كبير ، الا ان حديثه كان مسلياً حقاً .. اذ كان يروي كيف بدأ حياته سائقاً لشاحنةٍ تجوب انحاء اليابان ، و المواقف التي تعرض لها و الأشخاص الذين صادفهم .. و روى بدوره كيف كان يعمل كاتباً في بلاده ، و انطباعاته عن طوكيو .. لم تكن لورا تشارك في الحديث و بدت ساهمةً و واجمة ، اما نادين فقد انسحبت الى الحاسب الآلي ، في ركن من المسكن و اقتحمت شبكة المعلومات العالمية و بدا واضحاً انها قد غادرتنا تماماً .. الا انها كانت تقوم بزيارات بين فينةٍ و اخرى للمنضدة و خطوطها البيضاء ، لم يدر كيف مر الوقت و لكن الليل ارخى ستائره فجاة ، و اقتربت الساعة من الثامنة ، اعلنت لورا ان وقت الرحيل قد حان ، كانت تتكلم بصعوبة ، لم تحاول نادين استبقائها .. كان واضحا انها قد نسيت رغبتها في الفتاة و هامت في ارجاء الشبكة و المخدر .. القى هو و الفتاتان تحيات الوداع ، و غادروا المسكن تتملكهم حالةٌ غريبة !! لم تكن حالةً تمت بصلةٍ الى الحياة !! لقد كانت بالموت اشبه !!


( 36 )


تحركت السيارة من جديد و قد سيطر عليهم صمتٌ مطبق ، فكر ان كوتشان شخصية جذابة بالفعل و قد كان واضحاً انه يبادله هذا الانطباع .. الا انهما لم يتفقا على وسيلة اتصال مستقبلية ، و قد دعته تلك الفكرة الى الاستغراق في تأمل ما اهدر في حياته من صداقات ، و كانت هذه واحدةً من الافكار المزعجة التي تزاحمت على رأسه في تلك اللحظة ، فكر ايضا انه قد مضى عليه تسع و ثلاثون ساعةً و هو مستيقظ ، الا انه لا يجد في نفسه أي رغبةٍ في النوم !! كما لا يجد رغبةً في الجنس و لا في أي شئ آخر آخر !! لعل الموت كان اقرب الرغبات الى نفسه في تلك اللحظات الرهيبة .. و لم تكن لورا بأفضل منه حالاً ، فكر انه قد يعتذر عن عمله في الصباح الذي لن يلبث أن يقبل . أعلنت سالي انها ترغب في العودة الى منزلها لمشاهدة فيلم سينمائي على جهاز الفيديو ، و قد دعتهما الى مشاركتها في ذلك ، رد كلاهما بالصمت مما وشى بأنهما أبد ما يكونا عن التجاوب مع هذا الأقتراح !! كان بيت سالي في الطرف الآخر من المدينة و قد استغرق الوصول اليه ما يقارب الساعة .. قضوها في الأنصات الى موسيقى سوداء لعينة لا تبعث الا على الأنتحار ، اختارتها لورا بعناية من صندوق الأسطوانات بعد أن قضت برهةً من الوقت في التفتيش عنها .. و أمام البيت كررت سالي الدعوة الا انهما ردا بعبارات الأعتذارو المجاملة المقتضبة ، و دعتهما متمنيةً لهما ليلة سعيدة ، الا ان السيارة ما ان تحركت بهما حتى أدركا ان تمنيها ابعد ما يكون عن التحقق !! كانت تجمعهما حالةٌ حادةٌ من الأرتباك و التهيج ، حتى أن الفتاة ما لبثت أن أوقفت السيارة على جانبٍ من الطريق و قامت باأحتضانه بقوة .. كانت تتلمس قطرات من الأمن !! لم يستغرق العناق اكثر من دقيقة ثم وضعت جبهتها على مقود السيارة مستندة على كفيها ، كان وقوفهما على جانب الطريق على هذا النحو يثير الريبة مما ضاعف من توتره ، سألها ان كانت ترغب في ممارسة الجنس فأجابت بالنفي و هي مازالت مستندةً على المقود ثم التفتت اليه و ابتسمت ابتسامةً مريضة ، قال انه قد يكون الذهاب الى البيت و الخلود الى الراحة أنسب الحلول لما يعانيانه على ان يلتقيا لاحقاً .. فأجابت باأنها لن تتمكن من العودة الى البيت مبكراً لأن والدها سوف يكون مستيقظاً ‘ و هي لا تريد أن يراها على حالةٍ كتلك ، كما انها لا ترغب في تركه بهذه السرعة اذ أن وجوده يؤنسها .. دعاها الى قضاء تلك الساعات في منزله ، فبدت كما لو كانت تفكر في الأقتراح ، تذكر انه لا بد له من أن يأكل شئً رغم ان المسحوق الأبيض يقضي على الشهية تماما !! و اذا بوجهها يضئ فجأةً و هي تدفع بالسيارة قدما قائلةً :

- وجدت الحل !! سوف أقدمك الى شخصٍ سيسعدك كثيرا ان تعرفه .

و انطلقت تنهب الأرض نهبا ، بينما تصاعدت آماله هو الآخر في انقاذ الليلة من الكآبة و الفشل .


( 37 )


كان الهدف الجديد في منتصف المدينة ، أدارت لورا موسيقى مرحة و كان واضحاً ان الليلة تأخذ في الأتجاه الى منحىً آخر أكثر اشراقاً ، و قد دفع ذلك بذهنه الى آفاقٍ لا تخلو من متعة .. تذكر فكرة الخلود ككاتب و التي اخذت بلبه فترة طويلة ، و قد كان استدعائها في تلك اللحظة بالذات مثيرا في نفسه لغير قليل من الفكاهة و السخرية ، فكر ايضاً في مشاهد بعينها من أفلام سينمائية ، تركت بصمات لا تمحى من روحه ، و قد ملأه ذلك بشاعريةٍ ممتعة ، كذلك تذكر رواية الغريب التي استحوذت عليه فترة من الزمن و كان يكن لبطلها ولعا و اعجابا لا حدود له ، و لسبب لا يدريه فكر ان الله قد يكون موجودا .

و عندما توقفت بهما السيارة ، كان في حالةٍ جديدة من المرح و التوهج الهادئ .


( 38 )


وجد نفسه وا قفا الى جوار الفتاة في مدخل بنايةٍ فخمه ، بل شديدة الفخامة في الواقع ، كان بابها الزجاجي مغلقا فما لبثت ان ضغطت على زر جهاز النداء الآلي .. جاء صوت رجالي عبر مذياع الجهاز متسائلا !! أعلنت لورا عن هويتها : " هذا انا يا مايكل .. افتح الباب " . و سرعان ما انفتح الباب الزجاجي اوتوماتيكيا .. فدلفا الى الداخل ، قادته لورا الى المصعد .. ضغطت فيه على زر الطابق العشرين ، و عندما خرجا من المصعد ، وجدا باب احدى شقق الطابق مفتوحا يسده عملاقٌ اسود ، ركضت نحوه الفتاة و القت بنفسها بين ذراعيه في عناقٍ حار .. تصافح الرجلان و الفتاة تقدم احدهما للآخر ، دعاهما مايكل الى الدخول و على شفتيه ابتسامةٌ ودوده ، و ان كان لسانه يشي بسكرٍ بين .. وجد نفسه في قاعة استقبالٍ رائعة ، ذات واجهةٍ زجاجية تطل على ارتفاعٍ شاهق ، تحيطه البنايات العالية الثرية ، كان المكان عموماً ينضح بثراءٍ فاحش ، جلسوا على كراسيٍ مريحة تحيط مائدةً انيقة ، أعلن لمايكل فوراً عن اعجابه بشقته ، فدعاه الآخر لأستكمال مشاهدتها في بادرةٍ ودودة ، دار به على الغرف الأنيقة ، بينما بقيت لورا جالسةً في قاعة الاستقبال ، عاد الى كرسيه مكررا اعجابه ، بينما توجه الآخر الى المطبخ ‘ و سرعان ما عاد حاملاً في يده ثلاثة كؤوس ، و محتضنا بالأخرى زجاجة نبيذ احمر عملاقة ، لم يسبق لعينه ان وقعت على مثيلٍ لها !! لقد كانت في حجم مطفأة حريقٍ كبيرة !! كان باقيا في الزجاجة ما يقارب النصف ، و كان واضحاً ان مايكل انما اتى على النصف الآخر منفرداً ، كما ينم عن ذلك لسانه ، و ان كان متمالكا لنفسه كما يجدربسكيرٍ عريقٍ في الشراب ، تبادل مايكل و الفتاة الأحاديث المألوفة بين صديقين لم يلتقيا من فترة ، بينما رحب هو بشرب النبيذ ، و مر وقتٌ قبل ان يجد نفسه فجاة مدعوا للمشاركة في الحديث اثر سؤال من مايكل لم يسمعه اذ كان ذهنه شاردا .. اضطر لأستعادته السؤال معتذرا ففعل الآخر :

- ماذا يخطر ببالك فورا من انطباع عندما ترى رجلاً أسود ؟

- لا آخذ اي انطباعٍ عن اي انسانٍ قبل ان اسمعه يتكلم !!

قالت لورا : اعتقد انها اجابةٌ ذكية .. قالتها و هي ترنو اليه مبتسمة ، اما مايكل فقد قهقه عاليا و قال :

- نعم .. اجابةٌ ذكية رغم انها ليست باجابة على الاطلاق في الواقع !! و هنا يكمن ذكاؤها .. ان صديقك الجديد ثعبان صغير .. بالمناسبة هل تعرف ان لدي ثعبانا ؟

- ماذا تعني ؟ هل تقصد ثعبانا حقيقيا ؟

- نعم بالطبع .. تعالى اريك اياه .

نهض واقفا و اتجه الى غرفة جانبية ، تبعه فورا بشكل آلي ، أضاء نور الغرفة و في احد اركانها رأى حوضا زجاجيا يلتف فيه حول نفسه ثعبان عملاق .. مزركش الالوان ، و ما يدري الا و مايكل يمد يده الى القفص و يخرجه مقدما له اياه ، لم يكن قد سبق له ملامسة مخلوق من هذا النوع ، التف الثعبان حول ذراعه و تقدم محيطا لصدره !! و ملتفاً حول ظهره !! لقد كان عملاقاً بالفعل ، و كان لملمسه اثر غريب ، كان ينبض بحياة من نوع آخر ..

- دعه يستشعرك .. انه يكتشفك ..

هكذا قال مايكل ، بينما أقبلت لورا في هذه اللحظة ، مد يده ممسكا بالثعبان الذي ما لبث ان التف حولها .

- اعتقد انه صديق رائع .. انه حقيقي لدرجة مذهلة ، لندعه يخلد للراحة .

هكذا قال مقدما الثعبان لمايكل ، لم يكن راغبا في الاستمرار في اللعبة ، لم يكن خائفاً لكن ملمس الثعبان كان مؤذيا له على نحوٍ ما .. اعاده مايكل الى الحوض و عاد الثلاثة الى حجرة الاستقبال .


( 39 )


فقط قل اهلاً .. و ابتسم ، ابتسامتك ساحرة بالذات عندما تطلقها بعفوية ، لا تخجل ابدا و لا تتردد ، هذه المدينة لا تعرف للخجل معان .

كان كل جسد جديد لإمرأة يشده اعمق و اعمق .. الى احضان المدينة ذاتها. الى قبر جذاب و غامض . تساقطت النساء على فراشه ، و صهره المسحوق الأبيض فيهن و في قاع المدينة صهراً واحداً ، كأنما كان يلبي شوقا الى ما تحت السطح ، كانما اراد ان يهبط في اجسادهن الى جوف المدينة و ان يمتزج بها مرة و الى الابد . كلهن أتوا .. و في كلهن وجد ذلك العبق الساحر الذي يشده الى الموت .

فقط المليحة ذات الستة عشر ربيعا ، معها كان يجد عبقا مختلفاً .. لا لم يكن يشده الى الموت . و انما كان يشده الى مكان آخر . نعم لقد اتت اليه ، شاكسته قليلا و لم تلبث ان اتت الى فراشه و كان ان جمعتهما اوقات خالدة من الحب .

كثيرا ما يتذكر كيف كانت تأتي اليه بعد انتهائه من العمل ، مسافة ليست بالقصيرة و لا بالطويلة ، كانا يقطعانها معا بين الحقول المجاورة ، في تلك المنطقة من ضواحي طوكيو ، ميل او ما يزيد قليلا عن الميل ، ثم تأتي تلك المساحة من العشب ، حيث اعتادا الجلوس و احتساء البيرة ، ربما استلقت على كتفه بعفوية طفولية .. و قد يتبادلان بعض القبل ، احيانا تاتي معه بعدها الى القبو و احيانا لا .

يتذكر ايضا ذلك السياج من الأسلاك الذي كان يحيط بالمزرعة المجاورة ، حيث كان يراقبهما من وراءه كلبان ، كانت هي من بدأ في محاولة التعارف .. اشارت اليهما بالتحية و سرعان ما جاء احدهما عبر السياج ، يتذكر انها كانت الانثى .. اكتفى الآخر بالمراقبة عن بعد و لكنه في اليوم التالي ، عبر السياج معها اليهما ، و هكذا في كل مرة كانا يأتيان .. لقد كانت اوقاتاً سعيدة حقا .

ربما ينتهي العمر قبل أن يعرف أو يحدد السبب الذي دعاه الى انهاء هذه العلاقة ، لابد من سبب لهجر امرأة ما او مدينة ما !! سبب معلن علي الاقل !! اما معها فقد كانت القطيعة .. اعلنها اياها يوما و هو ينزف داخليا تحت وطأة جرعة ساحرة من المسحوق .. دون مقدمات او اسباب .

قالت له : " أنا فقط اتعلم " و مضت .

أيام بعدها و قام بالرحلة نفسها منفردا ، كأنما اراد ان يمارس لعبته المفضلة تحت اقصى شروطها إيلاما .. جلد الذات بسياط الذاكرة .

يومها ايضا جاء الكلبان ، و شاهد في عيونهما الإحتجاج الصامت : " أين هي ؟ " . قا لت له : " انا فقط اتعلم " . نعم يا صغيرتي .. سوف تتعلمين الكثير ، و ترين الكثير .. و تحبين و تسافرين و تشتاقين و تسعدين و تحزنين و تألفين و تكرهين الكثير .. و أبداً لن يتسنى لك يوماً أن تعرفي .. إلى أي قدر قد أحببتك .


( 40 )


ما دمت قد وصلت بالقراءة الى هذا الحد و لم تقم بإغلاق الكتاب و إعدام المؤلف فهذا يعني أنك قد تورطت بالفعل في هذه الرواية .. كان الغرض الرئيس منها في البداية هو محاولة صياغة المدينة من خلال قصة حب لم تتوفر لها بالقدر الكافي عناصر التشويق اللازمة .. فكان لابد من قصة فرعية لملأ هذا الفراغ . كان من الممكن ان تمضي الإمور على هذا النحو الى النهاية لولا ان الأحداث قد تتابعت على المدينة .. و حولت القصة الرئيسة ذاتها و ما إنبثق عنها الى هامش لا يمكن إلا القفز فوقه .

قفزة خطرة دون شك .. و لكن الخطر اصبح - فجأةً و اكثر من اي وقت مضى - يمثل عنوان المدينة و هاجسها الراسخ .


( 41 )


حدث جلل .. إهتزت له المدينة و زلزت زلزالاً شديدا .. طائرة مدنية اصطدمت بأعلى برج من ابراج المنطقة التجارية ، تهاوى البرج كبيت من الرمل .. مودياً بحياة الآلاف ، و مهاجراً بطوكيو كلها الى قارة من الرعب .

التقارير الإخبارية الأولى تناقلت ما تأكد بعد ذلك .. أن الحادث مدبر ، و أن المسؤول عن تدبيره و تنفيذه كان مجموعة انتحارية من منشوريا ، تحول القبو الى ما يشبه رواق المآتم ، كلهم كانوا من منشوريا و كلهم أحسوا بالخطر الداهم المقبل ، لم تعد المدينة مدينتهم .. لا و لا حتى تحولوا فيها الى غرباء !! لقد تحولوا جميعا بين ليلة و ضحاها .. الى أعداء .. نعم .. هو نفسه تحول فجأةً دون إرادة او إختيار منه الى عدو .. عدو للمدينة التي أحب !!

يتذكر كيف حاول أصدقائه إثنائه عن الذهاب ليلا الى موقع المأساه ، بعد أيام قليلة من وقوعها ، لم يكن غافلاً بالطبع عن الخطر .. و لكن لم يكن امامه من خيار .

كانت المدينة مغلفة بالظلام و السكون ، الكثيرون خرجوا مثله يبحثون بين ثنايا اللحظة عن شئ ما ! بعضهم يحمل الشموع .. و البعض الآخر يردد الأدعية و الصلوات .. و للغرابة كان هناك احساس ما بالأمن !! مجرموا المدينة و صعاليكها .. الذين عادة ما يثيرون الخوف و الخشية في نفوس المارة في هذا الهزيع من الليل .. تناثروا على الأرصفة و بين الأركان .. و في عيونهم نظرات تائهة منطفئة .. كأنما غدت عقول أعتى مجرمي الأرض .. أعجز عن تخيل جريمة أبشع .


( 42 )


عشر سنوات مضت .. عرف فيها المنشوريين التنكيل و الظلم ، هو نفسه عرف السجن لفترات متفاوتة .. دون خطأ او جريرة ، الآن تظهر طوكيو امامه كواحة بعيدة .. يذهب اليها للراحة كلما استطاع الى ذلك سبيلا .. لم يعد يسكن طوكيو .. و لا حتى احدى ضواحيها ، و إنما استقر به المقام اخيرا في بلدة من عشرات صغيرات مثلها على مسافات متقاربة ، يذهب الى طوكيو كلما استبد به الحنين .. اليها .. الى الذكريات .. و ربما الى قليل من المسحوق .. خلصه السجن من الإدمان .. إنما لم يخلصه من الحنين .

أشياءٌ كثيرةٌ تتغير في سنينٍ عشر .. وحده الحنين باقٍ لا يتغير .


( 43 )


لقد اعاد ما اصبح يعرف بحادث البرج صياغة العلاقة بين المنشوريين و بين طوكيو على نحو لم يكن احدهم يتخيل حدوثه !! لتدع جانباً ان وجودهم في المدينة اصبح لدى اهلها وجوداً لشرٍ لابد منه و لتدع جانبا الحرب التي اشتعلت بين اليابان و بين المقاتلين في مواقع عديدة من منشوريا ، حرب كان فيها لليابان الطائرات و القاذفات و لم يكن فيها للمنشوريين غير سلاحهم الاكثر فتكاً : أجسادهم .

لتدع جانبا التفكير في المسألة بمنطق الحساب العسكري للربح و الخسارة و لتفكر بها كلوحةٍ سرياليةٍ مظلمة !! اليابان جزيرةٌ تصب غضبها على جزيرةٍ أصغر .. بينما تنفجر فيها من حين الى آخر قنابل بشرية ، لا يتوقف رد اليابان سيل من نار جارفة محلقة على أجنجة طائرات حديثة ، كما لا يتوقف عبور قوراب الموت من الجزيرة الأصغر !! من عاش من اليابانيين فإنما يعيش ليعلم اولاده كراهية منشوريا و اضطهاد اهلها و من وصل سالما من المنشوريين الى اليابان فكأنما نجا من الموت غرقا في البحر ليغرق في دوامة اخرى من المخدرات و الأضطهاد و التهميش !! او ليتحول الى قنبلة بشرية ليفتك بنفسه موديا معها بعشرات او ربما مئات من الذين كرهوه فكرههم او كرههم فكرهوه ما الفرق ؟؟

أبدا لم يكره طوكيو .. حتى عندما كان يلعنها في لحظات التعب و الانصهار .. كان يلعنها كعاشقٍ يلعن عشيقةً أرهقته بخياناتها .. لماذا اذن أمسى يتملكه فرحٌ كلما وقع انفجارٌ انتحاري جديد ؟؟ فرحٌ يزيد او ينقص حسب أعداد من سقط من اليابانيين !! فرحٌ لا يترك مكاناً لقليل من التعاطف مع الانتحاري المنشوري الذي فقد حياته !! لا يترك مكانا حتى لقليل من الدهشة !!

لم يعد يسكن طوكيو .. و ما كان له ان يسكنها بعد ما وقع من أحداث ، حدثين رئيسين اسرعا بقراره في هجر المدينة الى هذه البلدة الصغيرة في تخومها .


( 44 )


كان جالسا في مشرب صغير ، ملحق بمحطة لتزويد وقود السيارات في احد ضواحي طوكيو .. اعتاد ان يخلو الى نفسه هناك ، يتناول زجاجة أو اثنان من البيرة ، يراقب اللاعبين في ماكينات القمار و السيارات القادمة و الذاهبة للتزود بالطاقة ، و يفكر في لا شئ ، لم ينتبه في البداية الى فتيان كانا يجلسان الى مائدةٍ ملاصقةٍ حتى نبهه صوت أحدهما يتوجه اليه بالحديث .

الفتى : هل كل شئ على ما يرام ؟

هو : نعم .. أشكرك .

الفتى : من أين أنت ؟

هو : من منشوريا .

الفتى : هل تسكن هنا في طوكيو ؟

هو : نعم .

الفتى : ما الذي اتى بك الى هنا ؟

كان يتحدث و على شفتيه ابتسامةٌ عجز حقاً عن ترجمتها !! لا شك أن السؤال يحمل قدراً لا بأس به من الأستفزاز !! أما الأبتسامه فهي ما حيره حقا !! قرر الأستمرار في الحوار مروضاً حيرته لحاجةٍ في نفسه ..

هو : مرت بي بعض المتاعب في بلادي أجبرتني على المجئ الى هنا .

ذهبت الأبتسامه و حل مكانها تعبيرٌ غامضٌ كريه !!

الفتى : لو كنت مكانك لما أقدمت على أختيارٍ كهذا .. و لكنت فضلت الموت على المجئ الى بلاد الآخرين !!

عادت الأبتسامه و لم يذهب التعبير الغامض الكريه !! أما هو فصمت مروضاً هذه المرة غضباً في نفسه .

الفتى : أين تسكن ؟

بادله الأبتسام .. لا يعلم على وجه الدقة ما صاحب الأبتسامة على وجهه من تعبير الا ان انعكاسه على وجه الفتى أنبأه أنه تعبير كراهيةٍ خالص !!

هو : هل تريد أن تعرف عنوان منزلي ؟ لماذا ؟

الفتى : فقط نتجاذب الحديث !!

هو : أعذرني لست راغبا في الحديث معك !!

أومأ الفتى برأسه و أدار نظره الى نقطةٍ غامضةٍ أمامه .. كان صديقه قد ذهب الى منصة المشرب لسببٍ ما .. و مرت دقيقةٌ قبل أن ينهض الآخر و يتوجه اليه .. تبادلا حديثاً هامساً .. عاد بعده الى حيث يجلس هو .. وقف أمامه و على وجهه هذه المرة تعبيرٌ يستعر بالمقت و قد جحظت عيناه غضباً ..

قال : لست سوى أجنبيٍ فاشلٍ أحمق !!

لم ينهض .. التقت عيناهما كأنما غاب الكون .. غاب الزمن .. كأنما لم يعد أحدهما يرى أو يستشعر في الوجود غير غريمه !! لا يعلم ما خرج من عينيه !! و كيف له أن يعلم ؟؟ الا أن تأثيره على الفتى كان حاسماً !! شئً فشئً اختفى المقت و الغضب و حل محلهما انكسارٌ مفاجئ !! سرعان ما تحول الى نظرةٍ خائفةٍ حائرة !! و ما لبث ان ادار ظهره اليه و توجه الى صديقه الذي كان يراقب المشهد عن بعد مستنداً الى منصة المشرب .. تبادل معه كلماتٍ قليلة ثم غادر كلاهما المكان دون النظر اليه !! كان الباب في الاتجاه الذي يجلس فيه و عند عبورهما اليه و قبل ان يعبراه بخطواتٍ قليلة رفع هو صوته قائلاً :

- أنت سوف تموت .

لم يلتفت أحدهما اليه .. عبرا الباب في صمت و سرعة !! أما هو فعجز أن يمنع نفسه من التفكير في عواقب ما قال !! فتيان كثيرون من منشوريا غيبهم السجن لأشهر و ربما لسنوات نتيجةً لكلمةٍ أو صيحة !! انتبه الى انه على الرغم من أن قوله خرج تلقائياً الا أنه في النهاية قد صيغ بحذرٍ بالغ !! كلنا في النهاية سوف نموت !! ليس في الأمر تهديدٌ معين !! و منذ ذلك الحين .. لم يعد يغادر مسكنه الا و هو يخبئ خنجراً صغيرأ في جورب حذائه .


( 45 )


طريقٌ معتاد .. اعتاد ان يسلكه رجوعاً الى داره .. اذا كان الطقس حسناً و وجد في نفسه رغبةً في المسير .. كان ذهنه شاردا فلم ينتبه الى انه قد اقترب في مسيره من جماعة من الفتية اليابانيين اعتادوا الجلوس على هذه الجهة من الطريق في مساحةٍ خضراءٍ تجاور الرصيف ، كانوا عادةً ما يسكرون في ذلك الموضع و ما من اجنبي كان يجرؤ على المرور من هذه الجهة و لتدع جانباً ان يكون منشوري الهيئة !!

تذكر تلك الزمرة عندما أقترب من موقفهم و همِّ بالرجوع الى حيث يمكنه العبور الى الجهة الأخرى من الطريق و استكمال مسيره .. شئٌ ما أوقفه !! لماذا عليه أن يعود الى حيث الأشارة الضوئية السابقة و الأنتظار ليعبر الى الجهة الأخرى ثم يواصل من هناك الطريق ذاته و لكن من الجهة البعيدة عن موقف هؤلاء ؟؟ لماذا يجب عليه ان يفعل ذلك ؟؟ لم يكن في دمائه في تلك اللحظة نقطةٌ من كحول أو شعرةٌ من مخدر !! كان متيقظا بكامل وعيه و بكامل وعيه اختار ان يتابع مسيره .. و كأنها قوةٌ مجهولةٌ تقوده لايمكن مقاومتها او الوقوف ازائها !! عندما أقترب اكثر فأكثر بدأ يستشعر خطر الموقف و لكن لم يكن امامه من سبيلٍ الى التراجع .. لقد أصبح في مرمى بصر القتية بالفعل !!

- هاي .. أيها الأحمق .. من أي بلدٍ قذرٍ انت ؟؟

تابع مسيره كان لم يسمع شئً ..

- أنت أيها المنشوري الطريد .. الا تسمعني ؟؟

لم يعد بأمكانه متابعة المسير .. أنه الموت أو السجن و قد سعى أحدهما اليه سعياً هذا النهار .. وقف و ألتفت الى مصدر الصوت .

هو : هل توجه الحديث الي ؟؟

الفتى : هل ترى أحمقاً طريداً آخر ؟؟

هو : أنت الأحمق و القذر و التافه .. و لا طريد و لا حقير الا أجدادك .

كانوا فتيةً اربعة عاريّ الصدور اذ كانت شمس النهار تلهب الجو في ذلك الوقت من السنة و بصدورهم العارية و انفاسهم التي أستعرت بالخمر اتجهوا نحوه كرجلٍ واحد .. و في لمح البصر كان الخنجر مشهراً في وجوههم .. لو يكن مشهراً للتهديد و انما لتمزيق جسد أولهم اقترابا !! و لكن واحداً لم يقترب أكثر .. كأنه شريطٌ سينمائي تم أيقافه عند لحظةٍ بعينها .

- اسمي بوب المنشوري .. سهلٌ للغاية لمن يبحث عن المتاعب ان يجدها لدي !!

ادار ظهره الى الفتية و واصل طريقه .. لم يعد الفتية الآن ما يشغله .. و انما الشرطة !! اجتهد في الانصات الى ما احتدم بينهم من حديثٍ بعد ابتعاده لكن لم يصله شئ !! كانت يابانيتهم صعبةً على الفهم .. مشوشةً و مخمورة !! لن تسامحه السلطات على اشهار خنجرً في وجه فتيةٍ يابانيين حتى و لو كان ذلك دفاعا عن النفس !! و لم تحمه جدران منزله من التوتر و الترقب .

نعم .. لابد له من هجر هذه المدينة !! ان اليد التي حملت قلما يوما ما .. لا سبيل لها ان تحمل خنجرً .. و من هنا كان انتقاله الى تلك البلدة القريبة .. و هناك بدأ يتسلل الى عالم السنووكر .>


( 46 )


في هذه البلدة الصغيرة في تخوم طوكيو أنهى كتابة روايته الأولى ، كتبها بلغته الأم و قامت دار نشرٍ بطباعتها و توزيعها على نطاقٍ محدود في منشوريا بلده الأم . كأنما كان لابد له أن يمضي بعيداً تلك المسافة كلها ليستمتع اخيراً بلحظةِ نجاحٍ واحدةٍ ككاتب !! لقد أنهى اخيراً شئً ما .. و ياتي السؤال ماذا بعد !!

عندما قام باأرسال مخطوطة الكتاب للنشر وجد في نفسه رغبةً لا تقاوم في العودة الى طوكيو .. حنينا جارفا الى الأستغراق في النظر الى المحيط المترامي .. أو الجلوس على الأرصفة مختفيا بين غابات البنايات الشاهقة .. هذه الرغبة و ذلك الحنين بات نموهما مقرونا بنمو الحيرة بداخله ازاء ما كان يهزه هزا .. و هو السؤال حول قدرته او عدم قدرته على الأستمرار في الحياة على هذا الكوكب .

و لكن مهلا .. هل كان هو وحده من يدمر ذاته بالأستلقاء المحموم على وسادة المخدرات .. و التحقق الجنسي الزائف ؟؟ أم ان النوع الأنساني في مجمله بدأ يتهيأ مثله الى اعلان افلاس طاقته على الحياة ؟؟

الآلهة القديمة كلها بدت عاجزة عن تقديم اجابات كافية الى أن وصلنا الى هذا المشهد المرعب الذي بتنا نعاينه .. قتال مستعر بين أتباع مختلفين لآلهة مختلفة !!

شئ ما يجب ان يحل محل الحرب .. ليشكل معنىً جديدا لقيمة الوجود الأنساني و لكن ما هو هذا الشئ ؟؟و ما الذي بأمكانه ان يفعله ازاء كل ذلك ككاتب ؟؟

ان محدودية قدرة الفن على احداث فارق حقيقي مسألة أرقت و لا شك أي فنانٍ و كاتب لكنها في حالته – و هذا هو الخطر – كادت توقفه عن فعل الكتابة ذاته !! لقد أسلمته تقريبا الى أخذ الحياة ذاتها على انها فعل انتحار بطئ ممتع .

فقط لو كان باأستطاعته ان يبتكر على الورق مدينة كاملة .. بأهلها و تاريخها .. بقيمها و عاداتها .. ربما كان ذلك بمثابة عزاءٍ كاف عن الأخفاق في العيش في مدن الواقع .. مدينة ما .. يعيش اهلها لغايةٍ ما .. أكبر و أهم من ذواتهم .


( 47 )


كمنشوريٍ فإن ألعاب الحرب انما هي مستقرةٌ في وجدانه ، الرماية تحديداً لها ما لها في ثقافة امته من شرف ، الرماية بالنبال و السهام .. و بعدها الرماية النارية ، و لكن لعبة سنووكر تطرح على الذات المفتونة بالرماية نوعاً آخر منها !! نوعاً من الر ماية لم يصمم لكي يقتل او يجرح أحداً !! و بقدر ما يحمل من سلام .. يحمل أيضاً جمالاً و فناً لا يقاوم .

طاولة جميلة خضراء يستقر عليها في بداية اللعبة خمس عشرة كرة حمراء و ست كراتٍ باألوان مختلفة ، أما الكرة البيضاء فهي الكرة المفتاح و بها يصيب اللاعب الكرة الهدف ليسقطها في احد الجيوب الستة الموزعة على أركان الطاولة الأربعة و على جانبيها .

على الاعب ان يسقط كرة حمراء ليتاح له اللعب لأسقاط واحدة من الكرات الملونة الست و عند اسقاطها يعيدها الحكم الى موضعها المحدد على الطاولة أما الكرة الحمراء فتخرج بسقوطها من اللعبة ، و عند سقوط الكرات الحمراء بالكامل يبدأ اللعب على الكرات الملونة واحدةً تلو الأخرى تبعاً لقيمتها حتى تنتهي اللعبة بسقوط الكرة السوداء أثمنهم جميعا .

يمنح الحكم نقطةً واحدةً لأسقاط كل كرة حمراء و نقطتين للكرة الصفراء و تتدرج الكرات الملونة في القيمة وصولاً الى السوداء التي يحتسب بسقوطها سبع نقاط .

طالما استمر اللاعب في اسقاط الكرات و حصد النقاط يبقى خصمه على كرسيه منتظرا و عندما يتوقف يبدأ الخصم في اللعب و تنتهي اللعبة عندما ينجح أحدهما في حصد عدد من النقاط يستحيل على الآخر تعويضه ، و تكون المباراة سباقا محددا في الفوز بعدد معين من اللعبات .. خمس لعبات مثلا يربح اللاعب بالفوز بها المباراة .

كانوا جمعا من الفتية ذابوا في اللعبة عشقا .. منشوريين و يابانيين جمعتهم طاولتها الخضراء .. في ذلك الملعب في أطراف البلدة .. و ذابت بينهم خصومات العرق و التاريخ أو كادت .

عندما تكون ممسكا بعصا اللعب و خصمك على كرسيه يجب ان تستمر في أحراز النقاط .. التوقف يعني أن تنتقل الى خانة المشاهدة و ان يأخذ خصمك ناصية الفعل !! لكن لا تقلق .. عليك ان تستمر في التحفز و الأستعداد للعودة الى الحلبة فاعلا عندما يتوقف هوَّ .

عندما يكون زمام الفعل في يدك فعليك با أستثماره على أكمل وجه !! و عندما لا يكون امامك غير المشاهدة فلتشاهد .. و لكن مستعداً للفعل عندما ياتي اوانه .

هل تختلف الحياة في جوهرها أي اختلاف يذكر عما سبق ؟؟


( 48 )


كان راجي هو نجمهم و فخرهم .. لقد انتظمت بينهم المسابقات بحيث يحتوي كل موسم على سبع مسابقات كبرى .. كانت المراكز الأولى دائما لليابانيين !! هو نفسه لم يتجاوز في أي مسابقة حاجز الدور ربع النهائي .. كان الدور نصف النهائي عادةً ما يكون يابانياً خالصاً الا في ما ندر !! حتى ظهر هذا الفتى في الملعب .. و معه أصبح للمنشوريين كل حق في الفخر بأنه قد ظهر بينهم اخيراً من يستطيع مقارعة اليابانيين و انتزاع المسابقات من بين أيديهم .

لم يكد عمره يتجاوز العشرين عندما ظهر في ملعبهم للمرة الأولى و سرعان ما أدرك الجميع ان موهبته لا تقل عن موهبة أوسي نجم اليابانيين و فخرهم .. و بتنا نعد الأيام عداً في انتظار المسابقة الأولى في الموسم الجديد .


( 49 )


تم تصميم المسابقة بحيث لا يمكن أن يلتقيا الا في المباراة النهائية .. كانت جميع الأدوار بما في ذلك الدور نصف النهائي تلعب المباراة فيها كسباقٍ الى الفوز بخمس لعبات .. اما المباراة النهائية فيكون السباق فيها للفوز بعشر لعبات !! خرج هو من الدور الأول لكن ذلك لم يزعجه كثيراً .. اذ كانت كل آماله معلقةً براجي .. و كذلك كان جميع الرفاق من منشوريا !! لم يخذلهم الفتى اذ أظهر مستوىً متفوقاً للغاية خلال ادوار المسابقة .. اظهر اوسي بدوره أداءً رائعاً .. و كان من الصعب العثور على موطأ للقدم عندما جاء موعد المباراة النهائية الحاسمة .


( 50 )


كانت المباريات النهائية تلعب على فترتين تبدأ الفترة الأولى في العاشرة صباحاً و بثمان لعبات كحد أقصى .. يتخللهم استراحة قصيرة .. في الثامنة مساء يتحلق الجمع حول الطاولة من جديد لمشاهدة الفترة الأخيرة و الحاسمة و التي قد تمتد الى احد عشر لعبة كاملة اذا لم يفز احد اللاعبين قبل ذلك بالعشرة لعبات اللازمة لحسم السباق و الفوز بالبطولة .

انتهت الفترة الأولى بالتعادل و مع بداية الفترة الثانية ادرك الجميع انها ستكون ليلة مرهقة .. ستحترق فيها الأعصاب احتراقا .. خصوصا و قد تصاعدت المراهنات و احتدمت المناقشات بين المتراهنين !! اليابانيون وضعوا نقودهم بالطبع وراء أوسي اما المنشوريين فقد كانت نقودهم وراء بطلهم الجديد و معها آمالهم في انتصارٍ باهر على اليابانيين يطفأ ظمأهم الى النصر و التفوق .

و مع الأستراحة كانت النتيجة قد أصبحت تقدم راجي بسبع لعبات مقابل خمس .. هل يفعلها الفتى ؟؟ ذلك ما تناقلته شفاههم اثناء الأستراحة !! اما خياله هو .. فقد انطلق بالفعل يتصور الأحتفال بالنصر .


( 51 )


أمتلأ مشرب المنشوريين في البلدة عن آخره .. كانت هذه هي المرة الأولى التي يربح فيها احدهم مسابقةً كبرى !! حضر أوسي و معه بعض اليابانيين لإلقاء التحية و تهنئة الفائز .. أظهر المرح و هو يهنأ راجي .. كان الجميع يحاولون ابقاء المسألة في اطارها كمنافسة في موضوع رياضي .. لكنهم في دواخلهم كانوا يدركون انها اكبر كثيرا من ذلك !! لم يطل المقام بأوسي و من معه في الحفل طويلا .. اذ سرعان ما استاذنوا منصرفين و مكررين للتهنئة .

وجد نفسه كالعادة في اي جمع مماثل و قد جمعته مائدة واحدة مع شون العجوز .. قد يجدا ما يستحق القول .. و قد يكتفيان بالمراقبة و تبادل التعليقات او الابتسامات !! لم يكن شون يكبره الا بأشهر غير أنه استحق هذا اللقب لما نال وجهه و هيأته من اعياء ناتج غالبا عن سنوات و سنوات من القصف و اللهو !! كان مدمنا لكل ما يدمنه النوع البشري من مسرات او لعنات .. الخمر و المخدرات و القمار و النساء .. لكن المحن التي تصاحب عادة كل ما سبق .. لم تكسبه على ما يبدو الا النهم في المزيد !!

سمعه يقول و هو يراقب راجي الذي كان يتحدث على مقربة منهم و قد أسكره النصر و الخمر :

- لا أخشى على هذا الفتى و علينا جميعا معه !! الا نصراً لم يأت أوانه بعد !!


( 52 )


عندما لا تكون الكرة البيضاء في موقع يسمح لك بالتسجيل يجب ان تلعبها بحيث تلمس الكرة الهدف ثم تتحرك بعد ذلك الى موقع لا يسمح لخصمك بالتسجيل هو الآخر .. حتى عندما تسجل انت .. يجب مراعاة الموقع الذي ستنتقل اليه الكرة بعد التسجيل و ان يكون متيحا للتسجيل من جديد !! و متيحا لزيارتك للطاولة بالاستمرار !! لا تتطلب اللعبة مهارة و دقة في التصويب و التحكم فقط .. و انما ذهنا حاضرا و عقلا متيقظا و خلاقاً .

عندما جاء موعد المسابقة التالية كان الجمع يمني النفس بمباراة نهائية اخرى بين الفارسين !! و مع ان كل لاعب بدأ يبذل جهدا مضاعفا في التدريب و اثناء المباريات .. الا انه كان قد رسخ بشكل أو بآخر ان كل ما يسبق المباراة النهائية من ادوار كأنما أعدت فقط لتمهد للحدث الرئيس .. المباراة النهائية !! و قد بات اسما طرفيها غير محل لكثيرٍ من التساؤل !!

جمعه الدور ربع النهائي هو نفسه في مواجهةٍ مع راجي !! خسر المباراة بالطبع و كانت الخسارة الأولى له التي لا يشعر معها بأي أثر سلبي في النفس !! كان المهم لديه أن يستمر بطلهم الجديد .. و أن يكون قادرا على فعلها للمرة الثانية .


( 53 )


شهدت الفترة الصباحية من المباراة النهائية حشدأً غير مسبوق .. كان الجمع عادة ما يتوافد مع الفترة المسائية !! التي يتم فيها حسم النتيجة !! أما في تلك المباراة فقد كان الحضور مبكرا و كثيفا .. و ما ان بدأت حتى هبط صمتٌ كتدرائي على الملعب !! لم يعد يسمع في الوجود الا صوت اصطدام الكرات و تصفيق المشجعين من فترةٍ لأخرى بعد كل ضربة مميزة .

أنهى راجي اول لعبتين لصالحه .. كان الكثيرون يضعون نقودهم على فوزه بالطبع و منهم بعض اليابانيين !! لكن احد لم يتوقع ان يتقدم بفارق مريح !! و سرعان ما عادل أوسي الأوضاع اذ فاز هو الآخر بلعبتين متتاليتين .. و بعد الأستراحة تبادل اللاعبين الفوز مرة اخرى الى ان استطاع أوسي الفوز باللعبتين الاخيرتين في هذه الفترة منهيا اياها بتقدمه بخمس لعبات مقابل ثلاثة !! هل يستطيع الفتى تقليص الفارق ثم التعادل ؟؟ غادر الملعب و قد أدرك ان هذه الليلة ستكون طويلة و شاقة .


( 54 )


مع بداية اللعبة الأولى في الفترة الحاسمة كان واضحا ان اداء راجي يتسم بالحذر البالغ .. كان يدرك احتياجه للفوز بسبع لعبات بينما يحتاج الآخر للفوز بخمس فقط !! و عندما لاحت له اخيرا فرصة التسجيل كانت صعبة على نحو ما فآثر اللعب على السلامة !! واضعا الكرة البيضاء في موقع بدا مستحيلا على اوسي التسجيل منه !! و لذلك فعندما تهيأ الاخير للتسجيل من هذا الموقع حبس الجمع انفاسه !! كانت الكرة البيضاء بعيدة عن الكرة الهدف بعدا ظهر و كأنه يقدر بسنوات ضوئية و الكرة الهدف بدورها كانت على زاوية من جيب اللأسقاط بدت مستحيلة بكل ما في الكلمة من معنى !!

دوت القاعة بالتصفيق عندما اقتحمت الكرة الجيب .. حتى هو و معه باقي رفاقه لم يستطيعوا منع انفسهم من التصفيق طويلا !! و لم يكن صعبا على أوسي بعدها انهاء اللعبة لصالحه .


( 55 )


في ليالي التعب تأتي .. يتلاشى التعب و تحلق الروح .. هل حقا لمسها يوما ما ؟؟ أم كانت خيالا صهره صهراً فآثر الأنعتاق من سطوته و لم يفلح أبدا !! كلا لم تكن خيالا .. كانت واقعا لم يقدر على تحمل جماله !!

ترى أين هي الآن ؟؟ امراة حرة تقترب من الثلاثين كنهر هادر !! ام أمٌ تعتني بطفلٍ جميل ؟؟

قالت له انا فقط اتعلم .. و مضت !!

مازلت تأتين في ليالي التعب .. القطط الفارسية تذكرني بك .. مازلت اختار وجباتك المفضلة في المطاعم .. و كأنه الحنين .. يصيدنا بسهامه صيداً .


( 56 )


لم يحمل ما تبقى من المباراة أي معنىً للمنافسة .. أحد اهم القدرات و الملكات التي تتطلبها لعبة سنووكر .. القدرة على الأحتفاظ بالهدوء العصبي .. و الثقة الكاملة بالنفس !! لقد تلاشت ثقة راجي في قدرته على تسجيل أي نقطة .. و في الوقت نفسه .. فإن ما اظهره اوسي من اداء كان خارقا !! و ما ان انهى اللعبة الأخيرة حتى صافحه راجي على عجل مقطب الجبين و غادر الملعب هو و بعض أصدقائه مهرولين !! في حفل اليابانيين تحدث أوسي عنه و عن كونه لاعبا مميزا و منافسا خطيرا !! و لم يظهر هو للتهنئة !! أظهر اوسي نجومية واثقة .. اما الأخر فقد توافق الجميع على كونه مراهق يفتقر الى النضج و الى الروح الرياضية .

لكن ما تتابع من أنباء حول راجي كان أكثر ازعاجا !! اختفى تماما من الملعب و لم يعد يظهر نهائيا كلاعب و لا كزائر أو مشاهد !! و في فترة قصيرة بدأ التهامس حول انغماسه في المخدرات و الأخطر انخراطه في انشطة أجرامية لتلبية متطلباته منها !! و سرعان ما جاء النبأ المتوقع : لقد تم احتجاز راجي من قبل الشرطة قيد المحاكمة في قضية سطو قد تغيبه في السجن لسنوات !!


( 57 )


ممتعة تلك المدن المطلة على البحر ، الفتى على المقعد الحجري يتأمل المحيط المترامي ، يقترب العجوز .. يجلس الى جواره ..

شون : لقد صدر الحكم !!

هو : كم ؟؟

شون : ثلاثة .

هو : رباه .

شون : سيعيدونه الى منشوريا بعد عام و نصف ، لن يكون عليه ان يقضي المدة كاملة !! لا تقلق !!

هو : ( مبتسما ) متى كان لديك اي باعث للقلق ؟

شون : انا احتفظ لنفسي فقط بالحق في القلق و لا اترك العالم يفرضه عليّ لأي سبب كان .

هو : عليك بالزواج يا صديقي ، لقد بدأ عقلك في الذوبان ، قريبا ستمشي اثناء نومك .

شون : الرجل يتزوج فقط عندما يقر للعالم بالحق في اقلاقه .

( لم يتمالك الا ان يضحك رغم الأخبار السيئة )

هو : ماذا حدث للفتى ؟ هل كان من الممكن انقاذه من هذا المصير ؟

شون : السؤال يجب ان يكون .. ماذا حدث لنا ؟! نحن من قاده الى هكذا مصير .

هو : ماذا تعني ؟

شون : يجب ان يكون تفوقنا نابع من ذاتنا .. ليس لكي نري اليابانيين قدراتنا !! هذا تفكير خاطئ !! لقد علقنا مصائرنا بفوز الغلام ، كنا نريده ان يفوز لنثبت تفوقنا .. فاق الحمل طاقته فسقط !! بينما كان تفوق الآخر نابع من ذاته !! لم يطرح تفوقه في مقارنة مع اي ذات اخرى .. و لذلك ظهر كما لو كان معتادا على الفوز .. معتاد على التفوق !!

هو : الطاولة الخضراء موجودة مازالت .. سيبقى من حقنا ان نحلم بان يظهر من بيننا بطل .

شون : عندما يظهر البطل .. لن يكون حلما .

( تمنى لو كان جالسا على الجهة الأخرى من المحيط ، و ان للزمن جهة اخرى تعيد للقلب صفائه )


( 58 )


طوكيو .. طوكيو .. تمجد أبطالها و لا ترحم ضحاياها !! كم مرة نادته تلك الأصوات الغامضة ؟؟ تعالى نحكم سويا هذا العالم السفلي !! سمع شون العجوز يقول يوما ما : عزائنا الوحيد .. اننا - كل بطريقته – ندمر هذه المدينة بقدر ما تدمرنا .


( 59 )


و لا يندر ان يحن الى داره .. الذي غادره يوما ربما الى غير رجعة .. نعم نتعجل النهايات .. لكن المقادير هي الأخرى لا تقول كلمتها الا بعد ان ينهكنا الصبر .


( 60 )



عزيزي القارئ ، كانت هذه رواية عن طوكيو كما عاشها بوب المنشوري !! جائت تماما كحياته !! لم يقدر لها ان تنتظم في سياق !! قد تقبلها او ترفضها ، قد تتعاطف مع شخصها او لا تتعاطف !! لكن احدا لا يملك الا ان يقر ان من ورائها هو شخص شغفه هذا العالم حبا ، و بقدر ما احب الحياة .. بقدر ما آلمه افتقادها الى الرقة الكافية .



- انتهت .

14 views0 comments

Recent Posts

See All

留言

評等為 0(最高為 5 顆星)。
暫無評等

新增評等
Post: Blog2_Post
bottom of page